Wednesday, October 29, 2008

رواية القتل والمدينة


"هدوء القتلة" هو عنوان رواية طارق إمام الصادرة مؤخرا في طبعتها الثانية عن دار ميريت،والتي تبدو مختلفة في عالمها السردي عن روايته السابقة "شريعة القطة" وهي الرواية الأولى للكاتب اعتمد فيها على تشكيل عالما فانتازيا بطلته قطة تخوض مغامراتها في أماكن مختلفة تخضع كلها لشريعة القطة وقانونها ضمن منظور تخيلي وتجريبي لا يخضع لمسار الرواية التقليدية. في "هدوء القتلة" ينحو إمام إلى تكوين أجواء مختلفة تماما تتداخل بين الأسطورة،التخييل،والواقعية السحرية،لكنه في كل ذلك يستخدم إطار الرواية السردية التي تتكل على الحبكة في تكوينها،ويؤجل لعبة التخييل إلى جوهر النص الداخلي،لكن لا يمكن لقارئ هذا النص إلا أن يستشرف وجود غموض ما يبان في الصفحات الأولى التي تشكل عتبة النص،ومدخله للحكي عن بطله،وسيرته التي ستغدو نواة الحدث ومحوره،فقد اختار الكاتب تقديم الجزء الأول من الرواية في عدة صفحات تبدو كما لو أنها فصلا منفصلا عن النص لكنه يشكل أرضية الحدث الرئيسية. البطل في هذه الرواية هو سالم وهو يحمل تيمتيين تبدوان متناقضتين في الظاهر(القتل والشعر) فهو يقتل بيد،ويكتب باليد الأخرى،بعبارة أكثر دقة هو يقتل ليكتب الشعر.من هنا ندخل إلى عالم الرواية،عالم الهدوء البارد للقتل،حيث المفارقات التي تبدأ مع مفردات صغيرة مثل اسم البطل (سالم) الذي لا يمت لشخصيته،ثم الهدوء الغامض الذي يحمل اسم الرواية،والذي يتميز به سالم أيضا،هناك هدوء صامت في شخصه يدفع بالرواية إلى الصخب المشوق للكشف عن مضمون النص وغاياته،إنه هدوء ينسجم مع الغموض المعتم،ومع اللون الأسود الذي تم اختياره ليكون غلافا للرواية،هناك أيضا ازدواجية البطل في الحياة ضمن عالمين يتنقل فيهما بصدق تام،فيكون مخلصا لكليهما،إخلاصا لا يدفع للشك بحقيقة أمره.تتدافع التفاصيل في رواية إمام لتتمحور حول هذه الفكرة،لكن يظل لب الحدث ينطوي في التساؤل عن فعلي (القتل-والكتابة)ما الرابط بينهما،ولم اختار الكاتب الجمع بينهما في بطل واحد؟ وكأنه يسعى للنبش في ازدواجية الذات داخل القاتل، وداخل الشاعر أيضا.ثمة تأكيد على بعد نفسي واضح في النص،إذ لا يوجد شيئا مخلصا تماما لذاته.لاشيئ صافيا بالكامل ولا ملوث تماما،ليس للأمر علاقة طبعا بمفاهيم الخير والشر عبر الرواية،وليس هذا ما أراده الكاتب بقدر الجهر بقانون المتجاورات في النفس البشرية،والتحرك في الحدود القصوى في الذات الواحدة،من هنا تتشكل شخصية "البطل" القاتل والكاتب في آن واحد. تبدو علاقة التاريخ والأسطورة في رواية"هدوء القتلة" ظاهرة بوضوح،فالكاتب يحاول في كتابته القدوم للتاريخ بشكل عكسي،هو لا يذهب إليه،بل يحضر ومضات تاريخية إلى نصه،ثم يتلاعب بينها وبين عنصر الزمن، كأن يقول في الصفحات الأولى "كل صباح كان يمد أصابعه الخشبية النحيلة نحو المجلد الضخم غرامه السري..كان يتأمل المدينة التي صارت مكاناً آخر غير الذي وطأته قدماه منذ ما يزيد على ألف سنة،لقد كانت-حين جاء حافيا تحت شمس قوية-أشبه بدير خال لا يحتاج الناس فيه إثما كي يتعذبوا".يمنح طارق إمام بطله خلفية تاريخة أسطورية،تظل معلقة بين الممكن والمستحيل،ثم يطلقه ليمضي حياته بشكل واقعي تماما كما لو أن ما حكاه عنه من قبل مرهون بخيال القارئ وقدرته على تفعيل هذه المعرفة في اكتشاف غموض النص.يعرف بطله "سالم "أنه ينحدر من سلالة قاتل ما،قاتل "ترك نسلا كثيرا في أرجاء المدينة،أبناء وأحفاد يحملون وجهه،عينيه الملونتين وصوته المبحوح،جميعهم قتلة متوحدون،غارقون في منامات خطرة مثله". يستخدم إمام تيمة الأسطورة بأن يجعلها ماضي الأبطال،هذا ما يفعله حتى في نصوصه القصيرة التي ينشرها كقصص متفرقة أو أجزاء من رواية،وهذا ما يبرز في"هدوء القتلة" في الجزء الأول من الرواية تحديدا،فهو يفترض تاريخا معينا لبطله (القاتل-الشاعر) ثم ينطلق من هذا الافتراض في سرد حكايا المدينة الأسطورية أيضا،مع الإتكال على حيلة ذكية في تفسير فلسفة القتل عند البطل،هكذا تصير مكونات الرواية التي تجمع فكرة أسطورة ما مع فلسفة القتل وتاريخ المدينة الحاضر بشكل شبحي،كل هذا يشكل الوجود الفعلي لمدينة (القاهرة)،إنها مدينة تتكون وفق رؤية البطل،ثم تصير هي العامل الأكثر حضورا في النص.فالبطل سالم يقتل من أجل المدينة وعلاقته المشوهه معها،من أجل بحثه عن مدينة أكثر هدوءً وأقل عنفا،وفي ذات الوقت يقتل ليخفف آلام بشر يراهم هو تعساء وحيدين،المدينة استنزفتهم وألقتهم على أرصفتها.فالبطل هنا كما لو أنه يقشر المدينة بحثا عن نواتها،والقتل يصير فعلا بحثياً يبرر السعي في التفتيش-قتلا- عن جوهر المدينة المختفية بل المتوارية خلف زحام لن ينتهي إلا بمزيد من القتل الذي سيحرر المدينة من قشورها،ويخرج نواتها إلى الواقع،وبذلك هو يؤرخ لها بأسلوبه الخاص،فيغدو القتل في الرواية فعلا بريئاً يشبه كتابة الشعر،ويتوحد معه،حيث لا يمكن على الإطلاق رؤية بطل "هدوء القتلة" بشكل مجزء،هو يقتل ليكتب الشعر،ويقتل لتصير المدينة أجمل،فهو قاتل صوفي حكيم ينثر رؤاه الخاصة عبر الحبر والدم ،يقول "ناسك اختارني لأخلفه في تخليص المعذبين،من عذاباتهم...سلمى،جابر،وليل...كلهم وحيدون يكملون للمدينة زينتها الضرورية...أنا القاتل الذي يخاطر بحياته ليترك للعالم قصائده كما ينبغي أن تكون،كتبتها يد بلا تاريخ،بدماء الضحايا" بين اللغة والمعنى إذا كان النص ليس إلا لغة تحمل معنى،فإن المعنى هو الهدف الأسمى للغة،ربما من هنا تقوم العلاقة بين اللغة والحكاية،وفي نص روائي مثل "هدوء القتلة" نتساءل عن حدود الحكاية التي تبرز بوضوح لكنها تتخلى عن مسارها التقليدي في مضمونها لتشكل جوهر وجودها عبر الحالة العامة للنص. الحدث هنا أو الحكاية،تنقسم إلى شطرين،فعل القتل،ثم جانب العلاقة مع المدينة.يقول:"طالما أخافتني هذه الضاحية،رقعة شطرنج هائلة..شوارعها مستقيمة ومتقاطعة بلا أسماء.كل شارع تم اختصاره في رقم مكتوب بوضوح على لافتة زرقاء.تقطع الشوارع صفوف أشجار مهذبة متساوية القامات،آلاف التوائم من الكائنات الناحلة تؤكد التيه.لازلت حتى الآن أتوه في الضاحية،وأضل طريقي إلى الهيئة.فكرت أن أذبح بعض الأشجار لتصير علامات تصنع بعض الفارق،لكنني خفت من عقاب الحي....المدينة التي تبدو ضخمة تحيا هناك،معزولة ومتوحدة،هنا الضاحية،ولا شيئ آخر". لقد سار طارق إمام في روايته على خطين يبدو ظاهرياً أن أحدهما منفصل عن الآخر،الأول هو خط الحكاية التي وضع خيوطها في الفصل الأول مع شخصية (الناسك-جد القتلة)،ثم الخط الثاني الذي يتولد مع قصة البطل سالم الذي يسحب القارئ إلى مدار مغامراته في القتل على أرض المدينة. يحفل نص "هدوء القتلة" بوجود عنف مكمون وغموض بين،إلى جانب ظلام متعمد،حتى في أوقات لا ظلام فيها.إنه نص يشبه فيلم يتحرك أبطاله أمام عين القارئ،ويمكنه تخيلهم بسهولة،بل يمكنه تميز ملامحهم بدقة،وهذا يعود إلى المخيلة البصرية التي يتمتع بها الكاتب والتي تبدو ضرورية بالنسبة لهذا النوع من الكتابة

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

لنا عبد الرحمن

القدس العربي

هدوء طارق إمام و قاتله


يحارب الفارس طيلة الوقت لأجل إيماناته ، يجاهد الكاتب عمره كله لتوثيق عالمه الخاص بكل ما يحمل من فلسفة ومخاوف وأحلام ليصبغ على مملكة الكلمات عطره ووجوده .هكذا أعرف كلمات الروائي طارق إمام ليس فقط لتفرد مفرداته واختلافها .. ولا لتماهي عوالمه بين الوهم والمنطق بحيث توقعك في حيرة حيال المسلمات والحقائق ، ولكن لأن لكتابات طارق فلسفة خاصة وهدوء يتكأ على مراكز الإحساس لدى القارئ يسلبه ويدعوه لسكن ذلك العالم الخاص جدا .. عن رواية هدوء القتلة .. تملكتني الرهبة في الصفحات الاولى كنت اكتم انفاسي كي لا ينتبه نحوي الراوي الذي ينسج خيوط شبكته حولي – انا القارئ- بسلاسة وغموض . يقدم لي صورة مركزة للمدينة الشاحبة التي تسمى " القاهرة " لا اشك ان مدينتنا ملهمة .. ولكنهابدت مختلفه في تجربة مراقبة ذلك القاتل الهادئ الذي يسير على خطى الناسك الذي ترك خلفه المخطوط الذي يعتبره القاتل دليله قبل أن يكتب هو ديوانه الخاص يلزمه لكل قصيدة جريمة قتل . يد تقتل ويد تقدم الهامها للقاتله هو التفريق الجنوني بين ما نمارسه طيلة الوقت وما ندعيه.. هي رغباتنا المتنازعه بين الفضيلة والمجون .الموت .. الذي له حضور طاغي في العمل .. لكنه ليس الموت الذي نعرفه انما هو موت أخر له لذة الاكتشاف له سعة السماء .موت ينسج القصائد ، يريح الأرواح الهائمة هكذا قالها الكاتب في مقطع عميق من روايته" القتل .. يخلص الجسد من الدم الفاسد يترك ندوبا مفتوحة تغادر منها الارواح الدخيله " حيرتني الرواية .. بالجمال الشديد للكثير من مقاطعها كنت اجد صعوبة في الانتقال بين سطورها تاسرني الكلمات .. أعيد القراءة .. استمتع بالتعاويذ الانتقال بين السرد الفلسفي والحكي الروائي كان عبقريا ممتعا بحيث بدى الحكي متناثرا رغم ترابطه كأنه حادث غير مقصود كأن الحديث عن الضحايا والقتلى هو محض سهو في تاريخ الناسك والقاتل الشاعر على حد سواء الملفت ان ضحايا طارق إمام كان لهم هالة من الغموض والرعب – جابر صاحب الساق الواحدة وليل الإسكافي .. المصور الكهل الذي يتسول ابتسامات زبائنه – بائعه الورد – الطفل صاحب الطائرة الورقية العشيقة التي قتلها ليومين على التوالي في مشهد سردي أقل ما يقال عنه انه عبقري . الدماء .. القصائد.. الكلمات.. مشهد النهاية المصاحب للقصيدة الاخيرة .. الصحفية المنسحقة تحت ثقل رغباتها وادعائاتها السقوط الاخير لقطع الملابس من الشرفه العالية القاتل الغارق جسده بالوشم ويده بالدماء والحبر الورطة التي تركنا فيها طارق إمام تركنا نحدق في الفراغ تملأنا الدهشة والحيرة بينما ينحنى قاتله ليلتقط ما تبقى من ملابس ضحيته الاخيرة .. يطوحها في الشارع لهؤلاء المنتظرين نازعا مطواته الملعونة التي لا ترتاح حتى تقتل صاحبها ويستعد لكتابة قصيدته الاخيرة
ــــــــــــــــــــــــــــ
نهى محمود
الحوار المتمدن

رواية تمنحك إمكانية أن تشاهد جنازتك وتطمئن على دفن جثمانك فى القبر الصحيح


بطل الرواية شاعر له طبيعة خاصة تكشفها تفاصيل الرواية وله اتصال محكم بالواقع والتراث كما يحمل قدرة تخيليه فائقة الجودة في حالة حوار داخلي مع نفسه وحوار متواصل مع كل المحيط سواء كان هذا الآخر إنسان أو جماد أو حيوان الكل سواسيه .يكتب باليد اليسرى ويقتل باليد اليمنى يسجل الشعر على جسده الذى يهتم به حتى يكون نظيفا القتل هو الوسيلة الاساسية للوصول الى الحالة الشعرية التى تنتج القصائد ويكمل ديوانه مع اخر ضحية وهى صحفيه صديقة حبيبته التى قتلها من قبل وتنتهى الرواية عندما يكتشف ان هناء هى الأُخرى من القتله مثله وهى الوحيده التى تستعمل المطواه ضده وتصيبه فى وجهه وهو يكمل آخر قصيدة له بدمه.الرواية لاتمنحك اى يقين حتى يقين أن مايحدث هو حادث بالفعل ام أنه تخيلاتهدوء القتلة رواية طارق إمام الجديدة التي صدرت عن دار ميريت مع بداية عام 2008 يحرر الروائي فيهاالأزمنة من ترتيبها المتوارث ويثبت أن الموت هو بداية الحياة وليس نهايتها ويمنحنا بهدوء إمكانية تحقق المستحيل بل وتفتيته واعادة ترتيب العالم بحيث يخلق لنا عالم جديد يمنحنا فرصة الموت اكثر من مرة وفرصة مشاهدة جنائزنا كما يحكى عن الأخراعرف رجلا هناك كان حلمه الوحيد ان يشاهد جنازته مثلما افعل الان ( الرواية ص76)الرواية تغير مفاهيمنا عن القتل دون ضجة بسبق الاكتشاف او التعالى علينا بعد ان تنتهى من قراءة الرواية لابد ان تقع فى حب القتل سواء كنت القاتل او المقتولقتلتها لتصير أكثر جمالا كانت فى حياتها امراة قبيحة (الرواية ص91)الكاتب ينجح فى جعلنا نكتشف ان القتل وسيلة لتخليص الروح من اسرها وتطهرها كما يشرح البطل لضحيته لماذا يريد ان يقتلهلابد ان تقتل كى اخلص قطعة جديده من روحى الرواية (ص75)حتى ان القتل هو الطريق الى الله كما يقرر هوكان طريقه الى الله محفوفا بالدماء (الرواية ص92)القتل هو وسيلة اخرى للتاكد والبرهان الاساسى على ان لك جسدا وهذا الجسد حقيقى وانك ايضا على قيد الحياة وهو مايقوله البطل لضحيته ايضااليك اذن بطعنه فى فم المعدة لابد ان اتاكد ان لك احشاء الرواية ص80البطل المحورى فى الرواية هو يمارس القتل لمن يشبه ولمن يحبه ولمن يكره كل على قدم المساواه هو ايضا موظف فى جهاز الاحصاء والتعداد ودائما فى حالة حوار داخلى وهذا الحوار الداخلى هو الذى يسيطر على اغلب الرواية ويتضمن هذا الحوار كل مايحدث حوله ومع الاخرينالقاتل الحكيم الذى يمتاز بانسانيه شديده وحكمة رائعة فى اختيار اداة القتل المطواه التى يرى انها الافضل بوعى واضح وشديد السطوع والتى تجعله اكثر التصاقا وتوحدا مع الاخراستطيع ان اقتلك بمطوتى .. رغم أن المسافة بيننا تلائم طلقة لانصل .المطواه تجعلك قريبا من ضحيتك..تلتصق بها فى لحظة نهايتها مستشعرا لذة التوحد (الرواية ص94)ويظل هذا القاتل الحكيم على مدار الرواية يمنحنا العديد من حكمته وكأنها خلاصات تجاربه وافكاره ويشارك فيها الاخرينيقولون ان لا احد يقتل مرتين على يد نفس الشخص غير انى لم اصدق ذلك ابدا (ص67)تمنحك تفاصيل جديده مثل الانسان الذى يموت اكثر من مرة.والميت الذى يشاهد جنازته ويطمئن على انه يدفن فى القبر الصحيح هذا موطن جمال تمنحنا اياه الروايه انها عالم يلعب بنا وكانه طفل او اله اغريقى يعيد ترتيب العالم والازمنه مثل طفل يلعب لعبه تركيب المكعبات وتطرح اسئلة طفوليه مثل ماهو مصير المانيكانات البلاستيكيه بعد الموت اين تذهب. الرواية تخلق عالمين مختلفين على مستوى اللغة والادراك الاول واقعي يدركه الشخص العادى البسيط اماالاخر محمل بكل جمال اللغة والتخيل فى ان واحد حتى تظن نفسك داخل عالم من الاسطورة

ــــــــــــــــــــــــــــــــ


هشام الصباحى

الحوار المتمدن

هدوء القتلة لطارق إمام .. كتابة حديثة بدماء جثة السرد التقليدي


بـ"هدوء القتلة" ضرب طارق إمام نصلا عميقا في جثة النص السردي التقليدي، بيده اليمنى على ما أتصور، وباليسرى كتب، بدم بارد، على جثة القتيل نصاً سردياً حديثاً، ومبتكراً، بامتياز. تماما كما يفعل بطل روايته سالم؛ القاتل المتسلسل الغائب في رؤاه، الذي يقتل ضحاياه بيده اليمنى، ليكتب باليسرى قصيدة جديدة مع كل ضحية، تاركاً سطوراً من الدماء تحيا بامتداد المدينة، بعد أن يعثر على مخطوط قديم لناسك كهل مجهول، يقود روحه، ويتخذ من مخطوطه كتاباً مقدسا يدير له حياته الخاوية.على الرغم من الطابع التأملي الذي تتسم به الرواية، فإن طارق إمام غلّف هذه التأملية والأفكار الذهنية، والفلسفية أحيانا، بحالة من المشهدية عبر صور ومشاهد تعطي هذا النص وجها من أبرز وجوه قوته، وتتكامل لتصوغ معا، حالة خاصة؛ تضفي تأثيرا يشبه مشاهدة فيلم، يدور في أجواء غامضة، ضبابية، في مدينة شاسعة، لكن أفرادها معزولون، أو تكاد تكون خالية.هذا النص مشغول بالتفاصيل، لكن كل تفصيل، يحيل على حكاية أخرى في الخلفية، وكل مشهد يتولد من تلك التفاصيل يؤدي بالراوي إلى مجموعة من التداعيات تتأرجح، على امتداد النص كله، عند الحد الفاصل بين الواقع والخيال.لو شئنا الدقة، فإن النص إجمالا ينتمي تماما الى الخيال، وهذا وجه آخر من وجوه تميزه، بينما الواقع ليس سوى محاولات مبتسرة للإيهام بوجوده، إذ ليس سوى واقع افتراضي أو خيالي. فقد يتطلع الراوي إلى واجهة محل زجاجي، يحدق الى المانيكانات، أو نماذج الدمى التي تعرض الملابس. سرعان ما نجد هذه المانيكانات تتحول جزءاً من نسيج السرد، فتتولد فيها طاقة تحركها في مسيرات ثورية، وتطوف حولها أساطير تقول بهرب فرد منها من قبضة الشرطة، حيث يشاهد، بين آن وآخر، يتأمل أقرانه بعدما تمّ وضعهم جميعا خلف واجهات زجاجية، بينما تثور داخله أسئلة عن فكرة القيد والسجن، لدى مقارنة حال هذا المانيكان بحال الجيل الثاني من المانيكانات المسجونة خلف الزجاج.تبدأ التداعيات بمشهد لطائرات ورقية تحلق في فضاء المدينة، ثم تحيلنا الطائرات المعدنية، بضوضائها، وصخبها العنيف، على الغرباء الذين يغفون فيها متعبين، يرقبون خرائط العالم من نوافذها، بينما ترقبها في الطريق، إضافة الى الراوي، مجموعة من المقعدين على كراسيهم المتحركة، ينطلقون في أسراب، يشاهدون الطائرات، وينتظرون أن يتسببوا، باندفاعاتهم العنيفة، في سقوط ضحية جديدة، تنضم إلى سربهم في اليوم التالي. ومنها إلى مشهد لأماكن يستقر فيها المعتقلون، بينما تغطي أصوات الطائرات على أصواتهم فلا يسمعها أحد.في كل مشاهد الرواية تتداعى مثل هذه الصور وغيرها، لكن اللافت تلك العلاقات الثنائية التي يفيض بها النص عبر تداعيات الراوي: فعندما يتحدث عن بيوت جديدة يشير إلى أن كل بيت جديد مكتمل يعني مقبرة جديدة مكتملة في مكان ما. وعندما يتحدث عن إحدى ضحاياه من أصحاب العاهات، بساق واحدة، يجري مقارنة بين الساق الخشبية والأخرى السليمة. وعندما يستقل سيارة أجرة يجري مقارنة بين المشهد الضبابي الممطر للمدينة من نافذته المغلقة والمدينة الحية كما تظهر من نافذة السائق المفتوحة، انطلاقا ربما، من الثنائية الجوهرية التي يتأسس عليها النص بين يدي هذا القاتل الذي يقاوم عراك يده اليمنى التي يستخدمها في القتل، مع يده اليسرى التي يكتب بها الشعر.كأنها مقابلات فنية، على مستويات عدة، بين الفن والوحشية، بين الموت والحياة، بين القبح والجمال، وفي الأساس بين تناقضات الكائن البشري وازدواجياته التي لا تحصى. وايضا كأنها ثنائيات فلسفية، ومقاربات فكرية، مرسومة بعناية، وحرفية في لوحات فنية سردية.يتعدد ضحايا القاتل، من مصور فوتوغرافي إلى جابر صاحب الساق الوحيدة، وبائعة الورد المحجبة، وإحدى مريدات الأولياء في مولد من الموالد، وصولا الى الإسكافي، وجارته العجوز، وعشيقته سلمى التي قتلها مرتين!يبدو القتل الثنائي لسلمى كأنه تأكيد لمنطق الرواية التي تقول بكل الوسائل الفنية، أنه لا توجد حقيقة واحدة، وأن منطق الأشياء قد يختلف بين كائنين متلاصقين، وأحيانا بين عضوين متماثلين لكائن واحد! وهو من جانب آخر تأكيد للطابع الفردي، كسمة حديثة في مجتمع يفقد واحدة من صفاته الأساسية العتيقة، وهي قيمة الجماعة لمصلحة الفرد. وللعزلة التي يعيشها هذا الفرد في الوقت الراهن بشكل عام.أخيرا تظهر شخصية هناء التي تبدو، حتى اللحظة الأخيرة، مشروعا لضحية من ضحاياه، لكنها، وبعد أن تتعرى له، تفاجئه بما لا يمكن أن يتوقعه.تتخلص الرواية من ميراث ثقيل من الإيديولوجيا، والتحليلات الاجتماعية، وحتى من خلق مجتمع طبقي وفقا للتراتبات الاجتماعية. ولعل مشهد المقعدين في مقارناتهم لأسباب عجزهم، يوضح الطريقة الفنية التي يتأمل بها النص فكرة التراتبية: "فمن فقد ساقيه في حرب مجيدة لا يمكنه أن يستوعب أنه يتساوى وذلك الذي فقدهما في حادث طريق عارض. لا يمكن من سقط من منطاد بينما يطارد سموات غير مرئية أن يكون أخا لعابر التهم القطار ساقيه أثناء سهوه". هذه الرواية لا تؤمن بسوى الفن، يدعمها الحس الساخر الباطني للنص، فكأنه نموذج للتعبير عن الهم الحقيقي للرواية بوصفها بحثا عميقا عن الهم الإنساني، على ما يقول ميلان كونديرا. وبينما شاع أن من فضائل النص الحديث الاختزال والتكثيف، اللذين برع فيهما طارق إمام مسيطرا على لغته الخاصة والجميلة، إلا أن الكاتب، في الوقت نفسه، لا بد أن يمتلك إحساسا داخليا، وميزانا ذاتيا، يتيحان له أن يضرب بعرض الحائط، إذا اقتضى الفن، كل مقولة لا تتفق وروح النص. فبسبب الإيجاز والاختزال افتقر النص الى مساحات كبيرة من التداعي كان في الإمكان أن تتاح بسهولة في نص مثل هذا قوامه الخيال؛ الذي لا يبدو الكاتب مفتقرا إليه على أي نحو. بل كأنه بذلك بدّد قماشة رائعة وأصيلة مجانا وبلا مبرر تحت ضغط مقولات نظرية لم تُختبر بشكل كامل. هذا الهدر المجاني لانسيال النص وتدفقه، والامتناع عن الاستمرار في غزله، على الرغم من توافر خام النسيج، أعطى الرواية طابعا تجزيئيا، إلى حد أنها بدت، في غير موضع، كأنها فصول لا علاقة في ما بينها، أو كأنها مشاهد تنتمي الى فكرة واحدة، لكنها تفتقر الى عناصر توحدها. لماذا يخشى كتّاب الأجيال الجديدة من طول النَفَس؟ ولماذا يقتّرون على قرّائهم باكتمال المتعة؟ سؤالان يجب ان يواجههما الكتّاب من التسعينات ومن اللاحقين، وإلا فالنتيجة غالبا ما ستكون ركاما من نصوص مبتسرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم فرغلي

جريدة النهار اللبنانية